علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )

40

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء

ومعنى تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ : أتوه من أعاليه ولم يأتوه من بابه ، ولذلك فزع منهم فإنّه خاف أن يكونوا لصوصا ، أو يكون بعض رعيّته ثاروا عليه . والمحراب في اللّسان : صدر المجلس وأحسن ما فيه ، ولذلك سمّي محراب المسجد محرابا . وقيل : المحراب : الغرفة . وفي فزعه منهم - وكانوا ملائكة - دليل على أنّه ليس من شرط النّبوّة أن يعرف النّبيّ كلّ من يأتيه من الملائكة حتى يعرّف به ، وفيه أيضا دليل على أن الملائكة يتصوّرون على صور الآدميّين بأمر ربّهم وقدرته لا بقدرتهم ، وفي تصورهم كذلك عريض من القول لسنا الآن له ، لكنّ الذي يصحّ منها وجهان : إمّا أنهم ينسلخون من أبعاضهم « 1 » ، أو تنعدم من أجسامهم بالإمساك عن خلق الأعراض فيها ما شاء اللّه وتبقى ما شاء ، ثم يعيدهم إلى مقامهم كما كانوا قبل ، فإنّه ليس من شرط الحيّ العالم أن تكثر أجزاؤه ولا أن تقلّ ، فإن العالم منه جزء فرد . وأمّا قوله لا تَخَفْ خَصْمانِ [ ص : 38 / 22 ] ، ولم يكونا خصمين على الحقيقة ، ولا بغى بعضهم على بعض ، ولا اتّفق لهما ممّا ذكراه شيء « 2 » ، ففيه دليل على أنّ الكذب أنّما يقبح شرعا ، فمن أمره اللّه تعالى أن يخبر بما وقع وبما لم يقع فأخبر به فهو مطيع ممتثل فاعل الحسن . ولذلك جاز لهم أن يقولوا للمعصوم : فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ

--> للواحد والجمع والذكر والأنثى لأنّه مصدر خصمته خصما ، كأنك قلت ذو خصم . وفي اللسان أيضا ( ض ي ف ) : والضّيف : المضيّف ، يكون للواحد والجمع كعدل وخصم . ( 1 ) كذا عبارته ، وفي الفصيح أن ( إمّا ) إذا وردت في عبارة تكرّر ولا تتلقّى بحرف آخر ك ( أو ) وغيره ، قال تعالى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً . ( 2 ) أجيب أيضا بعدد من الأجوبة : - قالوا لا بدّ في الكلام من تقدير ، فكأنهما قالا : قدّرنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ، قال القرطبي : وعلى ذلك يحمل : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً لأن ذلك ، وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبّه داود على ما فعل . - وقال الثعلبي : قيل كان المتسوّران أخوين من بني إسرائيل لأب وأمّ ، فلما قضى بينهما بقضيّة قال له ملك من الملائكة : فهلّا قضيت بذلك على نفسك يا داود ؟ ثم رجح الثعلبي الرواية الأولى أي أنهما كانا ملكين . -